جمال الدين بن نباتة المصري

175

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

ولا في إزاحة باطل ، ثم تظنّ أنّ ذلك ينجيك من عذاب اللّه ! فكيف بك إذا جاثاك « 1 » محمد صلى اللّه عليه وسلم غدا للخصومة بين يدي اللّه تعالى ! أما واللّه إنك لن تنجو هناك إلا بحجّة تضمن لك النّجاة ، فاتّق « 2 » لنفسك أودع . وكان عبد الملك متّكئا ، فاستوى جالسا ، وقال : كذبت ومنت فيما جئت به ! ولقد ظنّ بك الحجّاج ظنّا لم يجده فيك ، فأنت المائن الحاسد ! قال إبراهيم : فقمت وو اللّه ما أبصر شيئا ، فلما جاوزت السّتر لحقني لاحق ، فقال للحاجب : امنع هذا من الخروج . ثم أذن للحجّاج ، فدخل فلبث مليّا ، وما أشك « 3 » أنهما في أمرى ، ثم خرج الإذن لي فدخلت ، فلما كشف السّتر إذا أنا بالحجّاج خارج ، فاعتنقنى وقبّل ما بين عينىّ ، وقال : إذا جزى اللّه المتواخيين بفضل تواصلهما ، فجزاك اللّه أفضل الجزاء ! أما واللّه لئن بقيت لأرفعنّ ناظريك ، ولأتبعنّ الرّجال غبار قدميك . قال : فقلت في نفسي : إنه ليسخر بي ! فلمّا وصلت إلى عبد الملك أدنى مجلسي كما فعل في الأول ، ثم قال : يا ابن طلحة ، هل أعلمت الحجّاج بما جرى ؛ أو شاركك أحد في نصيحتك ؟ فقلت : لا واللّه ، ولا أعلم أحدا أظهر يدا عندي من الحجّاج ، ولو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو ؛ ولكنّي آثرت اللّه ورسوله والمسلمين . فقال : قد علمت صدق مقالتك ، ولو آثرت الدنيا لكان لك في الحجّاج أمل ، وقد عزلته عن الحرمين لمّا كرهت ولايته عليهما ، وأخبرته أنك [ أنت ] « 4 » الذي استنزلتنى له عنهما استصغارا للولاية ، [ وأعلمتنى أنّك

--> ( 1 ) جاثاه ؛ أي أوقفه موقف الخصومة ؛ والجائى في الأصل : الذي يجلس على ركبتيه ؛ وفي حديث على : « أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي اللّه عز وجل » . ( 2 ) ت : « فاتن » . ( 3 ) ط : « ولا أشك » . ( 4 ) من ت .